تتسابق وسائل الإعلام المختلفة، السمعية البصرية والمكتوبة في مد المشاهد
والقارئ بحيثيات ووقائع ما اصطلح على تسميته بـ "قضية خلية حزب الله في
مصر". ويحاول بعض الصحافيين، أو قارئي الأخبار ومعدي البرامج الإخبارية،
استغلال استهجان الشارع العربي للموقف المصري أثناء العدوان الصهيوني على
غزة، وعدم فتحه لمعبر رفح... ، ومآخذ الشارع العربي على النظام المصري وعلى
النظام الرسمي العربي عموما لا حصر لها. ليس في خصوص الصراع العربي
الصهيوني فحسب، ولكن في مجمل القضايا الحيوية للأمة العربية وعلى رأسها
الأمن القومي العربي والتنمية الإجتماعية والسياسية والاقتصادية...،
يستغلون ذلك ويضعون القضية وكأنها دفاع مفتعل وغير مشروع عن السيادة من
جانب النظام المصري أراد به تجريم "دعم المقاومة" أكثر من أي شيء آخر،
ونستشف من هكذا أخبار وتحاليل دفع باتجاه الاصطفاف وراء حزب الله وزعيمه.
ولست أعلم هل هو "السيد حسن" أم خادم إمام العصر والزمان (عج !!!) ووليه
الفقيه (قس!!! ).
ولست أدري لماذا وفي كل مرة يقفز إلى ذهني ذلك المثل الشعبي القائل: » اللي
ما يدري، يقول سبول«. ومؤداه أن "س" من الناس عاد فجأة إلى منزله، فوجد
غريبا في مخدعه، فر هذا الأخير ولاحقه "س" المطعون في عرضه لكن الغريب تحصن
بنادر سبول، ولما قبض "س" على الغريب وانهال عليه يضربه، فزع الناس، وضنوا
أن الأمر يتعلق بسرقة بعض السنابل (سبول) ولاموا "س" الذي كاد أن يقتل
الرجل (الغريب) من أجل "غمر سبول". لم يستطع "س" أن يعلمهم بالحقيقة لما
فيها من ألم ولكنه أجابهم "اللي ما يدري يقول سبول".
قصة هذا المثل، تؤكد أن أغلبية الناس، تحكم بالظاهر، لذلك يعمد كل من يريد
أن يستصدر حكما لصالحه في قضية ما، وضد كل من يريد، إلى التحكم في هذا
الظاهر، فلا يبرز منه إلا الجزء من الصورة، الصالح للتوظيف لفائدة الحكم
المؤمل، ويظهره كأنه الصورة كلها. وأنا هنا لا أتهم أحدا بعينه بالقيام
بهذا الدور، بل أؤكد أن لكل صحفي وقارئ أخبار ومعد برامج، مطلق الحق
والحرية في أن يقف من مصر ومن حزب الله ومن غيرهم الموقف الذي يراه. لكنني
أتساءل، أليس ما يقدم على أنه صورة لمضمون الخلاف بين حزب الله ومصر ليس
إلا جزءا وجزءا يسيرا من الصورة لا نستطيع من خلاله الحكم بطريقة منصفة في
" القضية" كما سموها؟
ذلك أنه إذا كانت قراءتنا للوقائع محرفة، وتكييفنا للجرم المقترف مشوبا
بعيب الاختصاص، سننكر العدالة، أو سنغلب الهوى وفي كلتا الحالتين سنظلم
"س" ونتهمه بالقتل حدا للسرقة، في حين أنه قتل حدا للتعدي على عرضه.
1) هل إن حزب الله حركة تحرر أم أداة إيرانية؟
بدأ حزب الله كتنظيم مسلح على الساحة اللبنانية في عام 1982، ولم يعلن
الحزب عن نفسه كتنظيم سياسي إلاّ في عام 1985. يقول محمد حسين أختري سفير
إيران السابق في دمشق الذي أشرف على تشكيل الحزب»حزب الله هو الابن الشرعي
للثورة الإيرانية« ، وأضاف »باجتياح إسرائيل للبنان، شعر اللبنانيون بضرورة
المقاومة، في نفس الوقت، ومع أننا كنا في حرب مفروضة، وافق الإمام الخميني
وأرسل وفودا من الحرس الثوري لدعم المقاومة (1) ». وتابع »في البداية كان
السيد علي محتشمي هو المسئول، وبعد ذلك حينما أصبحت سفيرا كنت أقوم بنفس
هذا الموقف الداعم لخط المواجهة«. (2)
وما قاله أختري أكّده النائب الحالي لأمين عام حزب الله نعيم قاسم حين قال
»نجحت الثورة الإسلامية المباركة في إيران بقيادة الإمام الخميني سنة 1979
فاستقطبت المؤمنين... ناقش الإسلاميون داخل أطرهم ومع بعضهم البعض كيفية
النهوض ومواكبة متطلبات المرحلة في لبنان والاستفادة من التجربة والإشعاع
الإيراني.. فقوي الاهتمام بضرورة تشكيل إسلامي موحد. ومن أجل تحقيق هذه
الأهداف تابع ممثلون عن المجموعات الإسلامية الرئيسة مناقشة أفكار عديدة
حول رؤيتهم للعمل الإسلامي في لبنان، تمت صياغتها في ورقة نهائية ثم
انتدبوا تسعة أفراد كممثلين عنهم، ثم رفعوا هذه الوثيقة إلى الإمام الخميني
فوافق عليها فاكتسبت شرعية تبني الولي الفقيه لها، عندها قررت المجموعات
الإسلامية الموافقة على الوثيقة وحل تشكيلاتها التنظيمية القائمة وأنشئ
تشكيل واحد جديد سمي لاحقاً باسم "حزب الله«. (3)
وقد جرى تضمين هذا الولاء والانتماء لإيران وللخميني ولولاية الفقيه في
بيان حزب الله التأسيسي عام 1985 الذي جاء فيه (إننا أبناء أمة حزب الله
التي نصر الله طليعتها في إيران... نلتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتمثل
بالولي الفقيه الجامع للشرائط وتتجسد حاضراً بالإمام المسدد آية الله
العظمى روح الله الموسوي الخميني).
كما كشف الرئيس الإيراني السابق خاتمي تبعية حزب الله لإيران حينما أكد
للسفير الأمريكي فرانك ويزنر» أن تسليح وتمويل حزب الله يأتي في إطار بناء
دفاعات إيران والتخطيط لها في الساحة الخارجية حتى لا تضع أمريكا يدها في
حلق إيران«.(4)
أمّا السيد حسن نصر الله، فإنه لا يترك مناسبة إلاّ ويتفاخر فيها بانتمائه
وحزبه لولاية الفقيه.
والخلاصة هي أن حزب الله حزب طائفي يتبع إيران الخميني وملتزم بمشروعها
(ولاية الفقيه) الذي يمثّل أحد دفاعات إيران و سلاحا أيديولوجيا لنزعتها
التوسعية.
ومن أكثر ما تردد على لسان وقلم الصحافيين وقارئي الأخبار ومعدي البرامج
المشار إليهم أن "حزب الله لم يثبت عليه أنه نفذ أعمالا ضد أي دولة عربية".
فما ذا نسمي هذا الذي قام به حزب الله منذ نشأته إلى اليوم، هي ليست أعمالا
ضد، بل هي جرائم.
2- جرائم حزب الله الثابتة بحق بعض الأقطار العربية،
1 - من أوائل الأعمال العسكرية لحزب الله، عندما كان يعمل تحت اسم حزب
الدعوة الإسلامية، هو تفجير السفارة العراقية في بيروت في 15/12/1981
بشاحنة يقودها انتحاري مما أسفر عن استشهاد 30 من عملة وموظفي السفارة
بينهم الشهيدة بلقيس الراوي زوجة الشاعر نزار قباني، وجرح أكثر من مائة
وعشرين. كما قام حزب الله بسلسلة تفجيرات في الكويت في ديسمبر 1983 بهدف
الضغط على الكويت لعزلها عن العراق خدمة للجهد العسكري الإيراني ضد العراق.
وألقت السلطات الكويتية القبض على منفذي هذه التفجيرات وكان عددهم 17 شخصا،
من بينهم مصطفى بدر الدين صهر عماد مغنية، حكموا بالإعدام ثم خفف الحكم إلى
السجن المؤبد. (5)
2 - بدأ حزب الله منذ عام 1985 بسلسلة عمليات اختطاف لمواطنين غربيين
مقيمين في لبنان، وعرض مبادلتهم بأسلحة أمريكية تقدم إلى إيران لمساعدتها
في حربها على العراق، وفعلا جرت مفاوضات إيرانية- أمريكية وعقدت صفقة عرفت
لاحقا بفضيحة (إيران غيت) وجوهرها تزويد الكيان الصهيوني إيران بأسلحة
أمريكية مقابل أن تأمر إيران حزب الله بإطلاق سراح بعض المدنيين الأمريكيين
المحتجزين لدى الحزب، على أن يذهب جزء من عائدات تلك الصفقة لمساعدة متمردي
الكنترا ضد جبهة فاراباندو مارتي الصاندينية في نيكاراغوا... غير أن هذا
الاتفاق لم يستمر طويلا عندما افتضح أمره عام 1986 كونه يعد خرقا لقانون
أمريكي يحظر بيع الأسلحة لإيران.
3 – وبعد هذه الصفقة عقدت إيران مع الولايات المتحدة الأمريكية والأمم
المتحدة صفقة جديدة جرى بموجبها إطلاق الرهائن المدنيين الأمريكان
والغربيين الذين اختطفهم واحتجزهم حزب الله في لبنان خلال الفترة 1984-
1988، مقابل إصدار الأمين العام للأمم المتحدة في 9/12/1991 بيانا يتهم فيه
العراق بشن الحرب على إيران (6) وكان عماد مغنية ونسيبه مصطفى بدر الدين
هما عّرابا هذه الصفقة، حيث يؤكد مساعد الأمين العام للأمم المتحدة السيد
جيادو منيكو بيكو أنه التقى يوم 11/8/1991 في مقر السفارة الإيرانية في
بيروت مع السفير الإيراني زمانيان الذي أبلغه بأنه أجرى الترتيبات للقائه
مع الخاطفين وطلب منه الخروج من السفارة والتمشي في الشارع ومن هناك ستأتي
سيارة لأخذه إلى مكان اللقاء. وجاءت السيارة والتقطته وعصبت عيناه وأخذ إلى
مقر الخاطفين. وخلال حديثه مع الخاطفين الملثمين خمّن أنهما عماد مغنيه
ونسيبه مصطفى بدر الدين (7). ووقتها كان عماد مغنيه مسئول الأمن الخاص في
حزب الله وكان قبلها الحارس الشخصي للشيخ فضل الله ويعتقد أنه شارك في خطف
طائرة TWAعام 1985وطائرة الجابرية الكويتية عام 1988. أما نسيبه مصطفى فقد
كان ضمن المجموعة التي قامت بتفجيرات الكويت عام 1983.
4 – اعترف أكثر من مسئول إيراني بأن قوات من حزب الله حاربت إلى جانب
القوات الإيرانية ضد القوات العراقية طيلة فترة الحرب العراقية الإيرانية.
ومن هذه التصريحات ما قاله وزير الداخلية الإيراني الأسبق السيد محتشمي (8)
من أن مقاتلي حزب الله شاركوا بجانب الجيش الإيراني في الحرب العراقية
الإيرانية.
5 – أكّد مسئولون في حركة تحرير الأحواز أن مقاتلين من حزب الله شاركوا
القوات الرسمية الإيرانية في قمع انتفاضتهم، وأنهم كانوا أشد قسوة على عرب
الأحواز من الجيش الإيراني.
6 – ساهم حزب الله في جهود إيران لتسهيل الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق،
وقدم حزب الله كل الدعم السياسي والعسكري للحكومات الطائفية المنشأة في ظل
الاحتلال، وساهم للترويج للطائفية السياسية في العراق. ودخلت وحدات من حزب
الله إلى العراق مع بدء الغزو بعلم ومباركة قوات الاحتلال، وساهمت عناصر من
حزب الله بعد احتلال العراق في تدريب الميليشيات الطائفية، ومنها جيش
المهدي وفيلق بدر، على عمليات تفخيخ السيارات وتدمير المنشآت، كما ساهمت
معها في اغتيال البعثيين وضباط الجيش العراقي.
وضمن عمليات الشد والجذب الأمريكي – الإيراني داخل العراق، وردا على
اختطاف حزب الله لبعض الجنود البريطانيين في البصرة، ألقت قوات الاحتلال
البريطانية القبض على القيادي في حزب الله علي موسوي الدقدوق في البصرة يوم
20/3/2007، ويعتبر دقدوق واحدا من أكثر القياديين في حزب الله أهمية وكان
قد أعدّ لقيادة جناح في التيار الصدري يسمّى عصائب أهل الحق. ويقوم حزب
الله حاليا بمساومة بريطانيا طالبا فتح حوار مباشر معها مقابل إطلاق متبادل
لدقدوق وللرهائن البريطانيين الذين اختطفتهم مجموعة دقدوق (9).
7 – عمل خبراء من حزب الله على مساعدة الأحزاب والميليشيات الطائفية
القادمة مع الاحتلال على تأسيس بناها التحتية تحت أغطية المؤسسات الثقافية
ومؤسسات المجتمع المدني، وأيضا نقل حزب الله للعراق المحتل تجربته في زراعة
المخدرات لتمويل أنشطته، فانتشرت زراعة المخدرات في جنوبي العراق وبالذات
في ولايتي النجف والديوانية. وجدير بالذكر أن حزب الله يعتبر المخدرات من
ضمن أسلحته السريّة وهو يقدم الحماية الفعلية والرعاية للمزارعين
والمتاجرين بالمخدرات في لبنان، وهدد نواب حزب الله في البرلمان اللبناني
بالمقاومة المسلحة إذا تجرأت الحكومة اللبنانية وأقدمت على إتلاف مزارع
الخشخاش في البقاع. (10)
8- قام حزب الله في جويلية (ليس تموز) 2006، "بتحرش" غير محسوب بالكيان
الصهيوني (اعتذر عنه "السيد حسن" وقال " لو كنا نعلم أن الذي حصل سيحصل لما
قمنا بما قمنا به"، وكانت النتيجة المباشرة معروفة للجميع، تدمير هائل
لمكتسبات الشعب اللبناني (من بنية تحتية ومرافق عمومية وخاصة)، وقتل أكثر
من ألف وخمسمائة مدني وجرح وتشريد الآلاف من أبنائه أخذوا غرة. وفي اعتقادي
فإن حزب الله هو الذي خطط للعدوان على لبنان، والعصابات الصهيونية هي التي
نفذت هذا الاعتداء. فحزب الله عندما قام بما قام به، قام به لحسابه الخاص
وحساب الجمهورية الإسلامية العالمية التي إقليمها أرض الله، وحاكمها إمام
العصر والزمان "(عج)"، ووليه حتى يظهر مرشد الثورة الإسلامية "(قس)". وأكيد
أن هذا الأسلوب في "العمل المقاوم" هو الذي دفع بحزب الله إلى طرد كل من
ليس من الطائفة، بحد السلاح منذ بداية التسعينات من القرن الماضي (بعد أن
أجرى كل الترتيبات الداخلية الضرورية لضمان انقياد مريح "للمقاومين"
وتسليمهم بأوامر قياداتهم كائنا ما كانت فوقعت تصفية من وقعت تصفيته،
الأمين العام قبل السابق عباس الموسوي، وإبعاد من وقع إبعاده الأمين العام
السابق، صبحي الطفيلي، الذين مانعا في تجيير حزب الله لخدمة الإستراتجية
الإيرانية. كل ذلك من أجل أن تسهل القيادة ويسهل التحكم واختيار الزمان
والمكان الذين يناسبان المخططات الإيرانية... ثم إن حزب الله نفسه سرعان ما
عاد للعدوان على لبنان من جديد في صائفة 2007 حين أشهر سلاحه مباشرة في
صدور اللبنانيين وفرض أمرا واقعا بقوة السلاح على الدولة اللبنانية
(التراجع عن عزل موظفين بالمطار والعدول عن تفكيك شبكة مراقبة وتنصت وتراسل
غير شرعية أي غير قانونية)
9-قام حزب الله بتأسيس خلية في مصر، تقوم بأعمال عسكرية وما تقتضيه هذه
الأعمال من أجهزة استخبارية وصرف أموال وتحريك سلاح على أرض دولة دون
علمها، خلية يمكن أن ينجر عن عملها أخطار غير محسوبة. ويعد هذا الأمر
تجاوزا على هذه الدولة مهما وقع الإدعاء بحسن نية حزب الله ومحاسن "عمله
المقاوم". ثم بعد أن وقع الذي وقع، أليس من الأصوب إذا لم يكن القصد هو
التحرش بمصر أن يقع الاعتذار عن ذلك، بالصيغ الدبلوماسية أو السياسية
المتعارف عليها. على النقيض من ذلك نجد "السيد حسن" يواصل خداع الرأي العام
العربي ويتباهى بما قام به حزبه ويدعي أنه لا يعنيه الداخل المصري ولا شأن
له بالنظام المصري؟؟؟ وكلنا يعلم أن السيد حسن نفسه كثيرا ما طالب الشعب
المصري بالعصيان وطالب الجيش المصري بالتمرد في أسلوب تحريضي مباشر؟؟؟
10- إذا سلمنا جدلا بأن " السيد حسن" من حقه في سبيل فلسطين؟؟؟ أن ينتهك
السيادة المصرية، فلماذا يؤسس لفروع له في المغرب الأقصى، وفي السودان؟
ولماذا يتضامن مع تحركات طائفية في البحرين واليمن وحتى العربية السعودية؟
وما خفي ربما أعظم...
11- لا تجوز المقارنة مطلقا بين ما تقوم المقاومة في فلسطين والعراق من
تصدي باللحم الحي للمشروع الاستعماري الإمبريالي الصهيوني في وطننا
العزيز، و تشويش القاعدة وحزب الله ،تشويش يتخذه الاحتلال ذرائع ترفع الحرج
عما يقترفه من جرائم. (أنظر صدى مداخلة أحمدي نجاد، في مؤتمر "دوربان2":
فقد ازداد أحمدي نجاد بطولة في عيون البسطاء من أبناء أمتنا، لأنه قال كلمة
حق، وهي والله، كلمة حق، لكنه أراد بها باطلا، فانقلبت حالة التعاطف مع
المقاومة الفلسطينية في عزة وفي عموم فلسطين إلى حالة تهجم على العرب
والمسلمين استفاد منها الصهاينة بإظهار أنفسهم أمام العالم ضحية من واجب
"العالم الحر" أن يحميهم "من الإرهاب والإبادة"، ونشطت الصهيونية في
التذكير "بالمحرقة" استدرارا لعواطف العالم، فكانت خدمة نجاد الحقيقية أن
تضمن بيان المؤتمر إدانة للمحرقة، وتجريما لمنكريها. وعوضا من أن تراكم
قضية فلسطين مكاسب جديدة تضاف إلى مكاسب دوربان1، وقع تناسي الضحية
الحقيقية (فلسطين والمجازر التي ترتكبها العصابات الصهيونية في حق شعبها)،
ولا نخال أن نجاد أعوزه الدهاء الإيراني ولا خانته البراغماتية السياسية،
بفعلته هذه بل إن كل الذي مورس وقيل كان محسوبا وكانت نتائجه كما كان
متوقعا؟؟؟
وها أن إيران التي كانت لا تقر بالوجود الصهيوني على أرض فلسطين وتعتبر
المحرقة مجرد تزييف للتاريخ ها هي الآن ومن خلال رئيسها أحمدي نجاد تنسف
كل ما تحدثت به من أعوام سابقة حول القضية الفلسطينية وحول قضية وجود
الكيان الصهيوني على الأرض الفلسطينية، وتحولت أميركا الشيطان الأكبر
وربيبتها الصهيونية إلى أميركا التي يمكن أن تتقاسم معها إيران النفوذ في
منطقة الشرق الأوسط في علاقة إستراتيجية قائمة على التقاسم في المصالح، ومن
خلال هذا المفهوم فإن الوجود الصهيوني على أرض فلسطين أصبح مقر من خلال ما
تحدث به الرئيس الإيراني مجيبا على مقدم البرنامج جورج سيتفانوبولس في شبكة
CNN أن حكومته ستقبل بحل دولتين، إسرائيلية وفلسطينية، في سياق اتفاق يقبل
به الفلسطينيون، وبذلك تسلك إيران عن طريق رئيسها سلوك بعض الأنظمة العربية
التي رمت الكرة في الملعب الفلسطيني وأقامت علاقات مع الكيان الصهيوني بحجة
أن الفلسطينيين هم أصحاب القرار وهم أصحاب برنامج الاعتراف بهذا الكيان
وحقه في الوجود على أرض فلسطين.
تصريحات نجاد هي اعتذار مبطن على جمله ومواقفه في مؤتمر ديربان2 في جنيف ،
وإيران تقدم أيضا فلسطين كهدية للإدارة الأمريكية وللصهيونية مقابل
التصريحات الهامة التي صرحت بها الإدارتين الأمريكية والصهيونية، حول حق
إيران المشروع في استخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية، مشرعتين بذلك
البرنامج النووي الإيراني بامتداداته المختلفة وأفكاره التي يمكن أن تبلور
ديموغرافيا جديدة في منطقة الخليج ومناطق أخرى من الوطن العربي.
إن كنت لا أعترض على علاقة حزب الله بإيران.. فإنني أسأل السيد حسن عن :
- كيف يمكن لهذه العلاقة أن تتم على حساب العراق وعلى حساب إلغاء عروبته
وتقسيم جغرافيته وجسده الواحد؟ وعلى حساب استقرار دول كالبحرين والإمارات،
والمغرب الأقصى وموريتانيا والسودان؟
- كيف يستوي أن تكون مقاوما في لبنان ومساندا للقتلة والجلادين في
العراق...؟
- ما هو موقفكم من المقاومة الوطنية والقومية والإسلامية في العراق بكل
فصائلها دون استثناء، (ولا يعنيني هنا أي تنظيم إرهابي يقتل المدنيين في
الجوامع والشوارع والأسواق، فهذا إرهاب لا علاقة له بالمقاومة موقفا وفعلا
...)؟.
- ما هو موقفكم من "المرجعية" المساندة لقوى الاحتلال وعملاءه؟.
- ما هو موقفكم من قتل الفلسطينيين المقيمين في العراق، وتشريد الآخرين
منهم الذين يعيشون منذ سنوات في مخيمات على الحدود العراقية السورية
والأردنية؟.
- ما هو الموقف الشرعي من التعامل مع الحكومة التي نصبها المحتل؟.
- هل ستواصلون التخطيط لدعم المقاومة الفلسطينية بعد تصريحات أحمدي نجاد
لـcnn ؟
وبعيدا عن الأسئلة ودون انتظار الأجوبة لأنها معروفة. فإنني من هذا الذي
تقدم، على خصوصيته وإيجازه، أستنتج، أن حزب الله لم يكن يوما حزبا مقاوما
للمشروع الصهيو-أمريكي بقدر ما هو منفذا لأوامر إمام العصر والزمان، ووليه
الفقيه "مرشد الثورة" الإيرانية، وفي أحسن الأحوال يقوم بما يتلاءم
وإستراتجيتها وأجندتها في المنطقة. وكلنا يتذكر توتر الأوضاع السياسية
والعسكرية على الحدود بيم لبنان وفلسطين في خريف 2002، وكيف تطلبت
الاستعدادات للعدوان على العراق ثم غزوه واحتلاله، في ربيع 2003، أن يخفف
ذلك التوتر، فتحول محمد خاتمي رأسا للقاء "السيد حسن" وأمره بإزالة
التوتر،... وكان بالإمكان تبليغ هذه الأوامر بالوسائل الأخرى، ولكن حتى لا
يفوت محمد خاتمي الفرصة ويعلن من بيروت في تلك الندوة الصحفية المشهورة »
إننا جئنا إلى هنا لنؤكد للعالم ( أي أمريكا والكيان الصهيوني) أن
الجمهورية الإسلامية عامل توازن واستقرار في المنطقة (وأن احتلال العراق لا
يهدد هذا الإستقرار) ». ثم نتذكر جميعا، كيف وضعت إيران في ربيع 2006 في
زاوية الاتهام العربي والإسلامي بل والدولي، إثر تدمير "أضرحة" في سامراء،
عندما وقفت وراء أعمال القتل والتهجير التي حصلت في تلك الفترة ووصل بها
الأمر إلى حد المطالبة "بفتح" سامراء وطرد سكانها عقابا لهم على عدم
حمايتهم الجيدة "للمراقد". ثم كيف تحولت الأنظار في "تموز" (كما يقول
البعض) عن العراق وما يقترف فيه من جرائم وكيف خرجت إيران من زاوية الاتهام
بالوقوف وراء ذلك، إلى مصاف الثوار والمقاومين المتصدين لغطرسة الصهاينة
بدعم "حزب الله" الذي يقارع الصهيونية ... والذي بعد أقل من سنة عقد معها
أكبر صفقة تبادل أسرى مقابل "رفات"؟؟؟ (وأتمنى أن أفهم -ولو مع التأخير-
لماذا يمتنع الصهاينة إلى الآن عن تبادل أسرى مع "حماس" بشاليط الحي وليس
رفاته).
ولست أعرف لما أنا هكذا؟ ولماذا يترسخ في اعتقادي يوما بعد يوم؟ أن مرشد
الثورة الإسلامية ( يجب أن نفهم العالمية)، يتصرف مع أقطار وطننا العربي
بطريقتين: يتعامل مع الأقطار التي له فيها موقع قدم ويعتقد أنه أصبح له
فيها مكتسبات، بالطريقة التي تضمن وتحافظ على تلك المكتسبات، ولو اقتضى
الأمر دعم الاحتلال كما في العراق والتعاون مع الشيطان الأكبر وربيبته
"إسرائيل"، ويغطي عن كل تلك الجرائم بما لا يصدق من أكاذيب... فالمقاومة
إما "قاعدة تكفيرية" أو" صداميون مجرمون "... ولا يخجل والحالة تلك من
الوقوف وراء "مقتدي صدر" وحكيم وجلبي... أما الأقطار التي هي مشاريع "للفتح
الإيراني" فلا بد من تلبس دور الثوري الفدائي المقاوم وذلك لإرباك أنظمتها
وإقحامها فيما لم تحتسبه بعد أو قبل، والمزايدة عليها أمام شعوبها،
وإحراجها والتحريض عليها ... وحزب الله هنا يلعب دور اللوحة الإشهارية
للدعاية وإغراء العامة، يستعمل قضيتنا المركزية في سوق المزاد، ويتغنى بقيم
ما زالت وستبقى تحركنا بعامتنا وخاصتنا كالنبل والبذل الرجولة والفروسية
وعدم مهابة الموت...والوحدة والحرية والاشتراكية، للوصول إلى غايات، هي
ليست غاياتنا.
إن المجال ضيق، وما يتطلبه تحليل هذه الخواطر قد يثقل على "الطريق الجديد"،
ولكن ما حسن نصر الله ومقتدى وجلبي ... إلا وجهين لعملة واحدة ودمى يمسك
بخيوطها "إمام العصر والزمان" في طهران "قورش"، وما حزب الله إلا شقيقا
لجيش المهدي وفيلق بدر... وأن حزب الله إنما يستمد كل الذي هو عليه اليوم
في ذهن البسطاء من أبناء أمتنا، من عجز النظام الرسمي العربي عن مواجهة
التحديات التي تواجه الأمة ومن حالة الفرقة والتشظي التي عليها القوى
الوطنية العربية ومن غياب المرجعية الفكرية والعسكرية المقاومة... لعل
المقاومة في العراق وفي فلسطين تملأ هذا الفراغ...
والسلام،
عثمان بن حاج عمر
المحمدية
(1) 1000 من البزدران ( الحري الثوري) حسب
بعض المصادر.
(2) صحيفة الشرق الأوسط يوم 14/5/2008
(3) نعيم قاسم، "حزب الله" ص 21 ـ 25، يلاحظ هنا اختيار تسمية جامعة غير
طائفية، على عكس الأحزاب العراقية المرتبطة بإيران، وهذا بالطبع للتمويه،
خاصة وأن موقع لبنان ليس كموقع العراق من إيران، وحجم بقية القوى في لبنان
مختلف أيضا.
(4) صحيفة الأهرام /الدكتور عزمي خليفة / 20/4/2009
(5) وأفرج عنهم العراق بعد دخوله الكويت.
(6) تفاصيل هذه الصفقة مذكورة في كتاب مساعد الأمين العام للأمم المتحدة
السيد جيادو منيكو بيكو (رجل بلا سلاح).
(7) أنظر كتاب بيكو ، ص 152 و153 .
(8) صحيفة "شرق" الإيرانية يوم 4/8/2006
(9) أنظر صحيفة الغارديان البريطانية ليوم 27/3/2009
(10) مقالة غسان الإمام، الكاتب اللبناني المعروف، في جريدة الشرق الأوسط
ليوم 21/4/2009
(المصدر : منتدى" الديمقراطية النقابية و السياسية ")
الرابط :
http://fr.groups.yahoo.com/group/democratie_s_p